الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

85

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وليتمسكوا بالقرآن وبالنبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقال البعض : إن الآية أن لن يبعث الله أحد تشير إلى إنكار البعث لا إلى إنكار بعثة الأنبياء ، وقال آخرون : إن هذه الآية والتي قبلها هي من كلام الله تعالى وليست من كلام مؤمني الجن ، وإنها آيات عرضية جاءت في وسط حديثهم ، والمخاطبون هم مشركو العرب ، وطبقا لهذا التفسير يكون المعنى هكذا ، يا مشركي العرب ، إنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ، ولما سمعوا الذكر أدركوا خطأهم ، وقد حان لكم أن تفيقوا ، ولكن هذا القول يبدو بعيدا ، بل الظاهر أن الخطاب هو لمؤمني الجن والمخاطبون هم الكفار منهم . ثم يشيرون إلى علامة صدق قولهم وهو ما يدركه الجن في عالم الطبيعة ، فيقولون : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ( 1 ) ( 2 ) . وكنا في السابق نسترق السمع من السماء ونحصل على أخبار الغيب ونوصلها إلى أصدقائنا من الإنس ولكننا منعنا من ذلك الآن : وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا أليس هذا الوضع الجديد دليل على حقيقة التغيير العظيم الحاصل في العالم عند ظهور الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكتاب الله السماوي ، لماذا كانت لكم القدرة على استراق السمع والآن سلبت منكم هذه القدرة ؟ أليس معنى هذا انتهاء عصر الشيطنة والكهانة والخداع ، وانتهاء ظلمة الجهل بشروق شمس الوحي والنبوة ؟ " شهاب " لهب من النار ، ويطلق أيضا على الأنوار النارية الممتدة في السماء ، وهي قطع حجرية صغيرة متحركة في الفضاء الخارجي للكرة الأرضية ، كما يقول علماء الفلك ، وتتأثر بجاذبية الأرض عند وصولها إلى مقربة منها فتسقط على شكل شعلة نارية حارقة ، لأنها عندما تصل إلى طبقات الهواء

--> 1 - " لمسنا " من لمس ، وتعني هنا الطلب والبحث . 2 - " حرس " على وزن قفص ، جمع حارس ، وقيل اسم جمع لحارس ، وتعني الشديد الحفاظ .